عبد الوهاب الشعراني
332
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية
الفلاحة ، مع أن عنده المال والثياب ويترجمه الناس بأكثر من عشرة آلاف دينار ، ولو أنه كان فيه رائحة الأدب مع اللّه وقبل وصيته في قوله : وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً [ الإسراء : 23 ] . لكساها بدلة قماش وصارت أم الشيخ على رؤوس الأشهاد ، فباللّه أين ثمرة علم مثل هذا فإياك يا أخي ثم إياك . وقد بلغنا عن الشيخ بهاء الدين أنه قال : بينما أنا راكب مع والدي شيخ الإسلام تقي الدين السبكي في طريق الشام ، إذ سمع شخصا من فلاحي الشام يقول : سألت الفقيه يحيى النووي عن مسألة كذا وكذا فنزل والدي عن فرسه ، وقال : واللّه لا أركب وعين رأت الشيخ يحيى النووي تمشي ، ثم عزم عليه بركوب الفرس ، وأقسم عليه باللّه وصار الشيخ ماشيا حتى دخل الشام فهكذا يا أخي كان العلماء يفعلون بأشياخهم ، مع أنه لم يدركه وإنما جاء بعد موته بسنين ، وكان يدخل دار الحديث بالشام ويدور في أبوابها وعطفها ويصلي فيها ويقول لعلي أمس موضعا مسته قدم النووي ثم ينشد : وفي دار الحديث لطيف معنى * أصلّي في جوانبها وآوي عساني أن أمسّ بحرّ وجهي * مكانا مسّه قدم النّواوي وما رأت عيني في مشايخ الزمان أحدا يبر أصدقاء شيخه وخدامه مثل شيخنا سيدي محمد الشناوي رحمه اللّه ، وكان إذا رأى أحدا ممن وقع بصره على أستاذه الشيخ محمد السروي يصير يرفرف عليه كالطير الحمام على ولده ، لكونه كان يعرف نفاسة ما دعاه الشيخ له ، وقد اجتمع على الشيخ محمد السروي نحو عشرة آلاف وتلقنوا عليه ، كما حكى لي ذلك وقال : قد أخذوا عني ولكن لم يعرفني أحد منهم سوى ابن الشناوي ، لأن شرط المعرفة بمقام إنسان الإشراف على مقامه هذا لفظ الشيخ محمد لي بالزاوية الحمراء خارج مصر رضي اللّه عنه ، ويليه في طائفة الفقهاء في التعظيم لأصحاب شيخه الشيخ شهاب الدين الرملي الشافعي بمصر المحروسة ، كان إذا رأى أحدا من أصحاب الشيخ برهان الدين بن أبي شريف أو أحدا من أصحاب الشيخ زكريا يجله ويعظمه ويقول : كأني أنظر إلى الشيخ إذا رأيت أحدا من أصحابه ولذلك أجله اللّه تعالى وجعل الفقهاء عاكفين على قوله شرقا وغربا ، مصرا وشاما ، وحجازا ، وروما ، ولا يتعدونه رضي اللّه عنه وقد توفي في مستهل جمادى الآخرة سنة سبع وخمسين وتسعمائة ، وصلى عليه بالجامع الأزهر يوم الجمعة وكان يوما مشهودا من كثرة الخلق حتى لم يجد غالب الناس مكانا يسجد فيه ورجع غالب الناس فصلوا الجمعة في غير جامع الأزهر ، ودفن بزاوية سيدي على باب اللّه قريبا من جامع الميدان رضي اللّه تعالى عنه . فعظم يا أخي والديك ، وقم بواجب حقهما طلبا لمرضاتهما ، وإن طلبا منك غذاءك فأعطه لهما . وأطو ذلك اليوم ، وإن ضعفا فأخدمهما ، وإن مشى باطنهما فاغسل النجاسة